
انعقد المؤتمر الدولي «سبل تعزيز ثقافة الغدير وترویج نهج البلاغة» يوم الأحد، 4 يناير (كانون الثاني) 2026 م (الموافق 14 دي 1404 هـ.ش) في قاعة الشهيد القائد سليماني بجامعة "آزاد" الإسلامية بمدينة ساري.
وقد وجّه سماحة آية الله العظمى جوادي الآملي رسالة مصوّرة إلى هذا المؤتمر، أكّد فيها ـ مع تبيين مقام الولاية والإمامة ـ أنّ الدين الذي شرّعه الله سبحانه للإنسان هو بعينه الدين الذي عيّنه للملائكة، وأنّ غايته إيصال الإنسان إلى المقام الملكوتي.
وبيّن سماحته أنّ واقعة الغدير، المرتبطة بتبيين مقام الولاية وإمامة علي بن أبي طالب (عليه أفضل صلوات المصلّين)، فإنّ أحقّ من يتولى بيان الغدير ومقام الإمامة هو نفس علي بن أبي طالب (سلام الله عليه).
وأضاف: "إن واجبنا الأول، الی جانب القرآن الكريم، هو الاهتمام بكتاب (تمام نهج البلاغة) الشريف؛ فوضع المعاجم، والفهرسة، والتلخيص، والتبيين، وما شابه ذلك، هو وظيفتنا الأولية. إن (نهج البلاغة) الحالي لا يعكس أبداً ذروة مقام الإمامة والولاية".
وأكّد سماحته أنّ كتاب «تمام نهج البلاغة» ينبغي أن يكون في صميم البرنامج العلمي لعلماء الدين؛ من حيث إعداد المعاجم، والفهارس، وشرح الألفاظ. فهذا بحرٌ عميق يزخر بالجواهر الكثيرة، وما نهج البلاغة الموجود اليوم إلا «بضعة منه»، أي جزء منه. ومن الضروري أن يحظى كتاب «تمام نهج البلاغة» بانتشار واسع في الحوزات العلمية والمجالس العلمية، ولا سيما في ديار العلويين.
النص الكامل للرسالة:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
نسأل الله الأقدس أن يشمل بعنايته الخاصة وليَّ العصر (أرواحنا فداه) نظامنا، والمسؤولين رفيعي المستوى، وكل فرد من أبناء شعبنا المتمسّك بالولاية. كما نُعرب عن شكرنا وتقديرنا لجميع الاعزاء الذين ساهموا في إثراء الوزن العلمي لهذا المؤتمر بإلقاء الخطابات أو تقديم المقالات، ونسأل الله العلي القدير أن يثبت حسنات الدنيا والآخرة في سجل أعمالكم جميعاً، أيها السادة والمسؤولون الروحانيون والسياسيون وسائر الطبقات الكريمة.
إن واقعة الغدير المرتبطة بتبيين مقام الولاية والإمامة لعلي بن أبي طالب (عليه أفضل صلوات المصلين)، يجد في شخص علي بن أبي طالب (سلام الله عليه) نفسه خيرَ عظيمٍ وشخصيةٍ قادرة على تبيين حقيقة الغدير ومقام الإمامة. حيث قال عليه السلام: «ألستُ آيةَ نبوةِ محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم)؟»؛ أي أنا، فضلاً عن كوني عبداً صالحاً وصادقاً لله وآيةً وعلامة إلهية بحد ذاتي، فأنا "آية النبوة" و"آية الرسالة" ایضا. فإذا أراد شخص أن يقيم حجةً وآيةً لنبوة النبي، ويستدل بدليل على أن الرسول المبارك هو نبي حقاً، يمكنه الاحتجاج بي، والقول: بدليل إقرار علي بن أبي طالب وتربيته في هذه المدرسة، فإن وجود النبي المبارك هو رسول إلهي. وبأي دليل هو نبي؟ لأنني آمنت به؛ وبأي دليل هو رسول؟ لأنني آمنت به. "أنا" تعني الشخص الذي لا ينطق بغير الحق، ولا يؤمن بغير الحق.
هذا ادعاء عظيم حين يقول عليه السلام: «ألستُ آية نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟»؛ وذلك في مقام الإثبات لا الثبوت. ففي مقام الإثبات، ما الدليل على أنه نبي؟ لأنني أقبله نبياً، وعندما أقبل أنا شخصاً بالنبي، فهو يقيناً نبي؛ وعندما أعتقد أنا برسالة شخص، فهو يقيناً رسول.
هذا المطلب وأمثاله ورد في كتاب (تمام نهج البلاغة) الشريف، وهو يمثل ذروة تبيين مقام علي بن أبي طالب (سلام الله عليه). ثم بيّن (ع) مواطن رضا النبي ومواطن سخطه، وأن سلوكي وكلامي يعكسان ذلك، ورضاي وغضبي يظهران ذلك، وجفائي ومودتي يبيّنان ذلك؛ أي أنني لا أقبل ولا أعتقد ولا أقول ولا أفعل إلا ما جاء من ناحية الوحي.
إن كتاب (تمام نهج البلاغة) الشريف يجب أن يكون في البرنامج الأساسي لعلماء الدين والشيعة؛ (أولاً) وضع المعاجم، (ثانياً) الفهرسة، (ثالثاً) شرح الكلمات. إنه بحرٌ عميق يزخر بالجواهر الوفيرة. أما (نهج البلاغة) المتداول حالياً، فهو "بضعة منه" وجزء من ذلك الكتاب. لابد من ترویج كتاب (تمام نهج البلاغة) بشكل واسع في الحوزات العلمية والمحافل العلمية، لا سيما في ديار العلويين. هذا أولاً.
ثانياً: إن أمير البيان (ع) قدّم نفسه بصفته آية الله وآية رسول الله، أي أنه النموذج الكامل للتوحيد والوحي والنبوة. لقد أوضح الإمام (ع) أن الدين الذي اختاره الله للملائكة هو ذاته الذي اختاره لنا؛ بيد أن البشر لا يدركون ما هي عطاءات القرآن الكريم والمعارف الوحيانية. إن ذات التعاليم والمعارف والعقائد التي عينها الله سبحانه للملائكة، مثل أزلية الله، وأبديته، وخالقيته، ومسألة الحشر، والعود والبدأ، هذه المعارف الواردة في القرآن الكريم هي "دين الملائكة" الذي اختاره الله للإنسان ليحوّله إلى كائن ملكوتي.
وكما قيل في الشعر الفارسي:
تصير مَلَكاً إن اجتهدت في سبيله فإن ورق التوت غدا بالتدريج یصیر حريراً (أطلساً)
وهذا مجرد جانب بسيط من مقام الإنسانية. فقد بيّن أن البرامج المحددة للإنسان هي ذاتها البرامج الملكوتية. الملائكة مكلفون بالاعتقاد بالمعارف التوحيدية، ونحن كذلك؛ مكلفون بالاعتقاد بالمعارف الوحيانية، مكلفون بالخضوع والخشوع، ومكلفون بالعبادة، وإنما يكمن الفرق في كيفية العبادة وما شابه ذلك، فإن الدين الذي اختاره الله لنا (أي للبشر) هو ذاته الدين الذي حدده للملائكة. وهذه هي "رسالة الغدير".
إن واجبنا الأول، الی جانب القرآن الكريم، هو الاهتمام بكتاب (تمام نهج البلاغة) الشريف؛ فالفهرسة، ووضع المعاجم، والتلخيص، والتبيين، هي وظيفتنا الأولية. إن (نهج البلاغة) الحالي لا يعكس أبداً ذروة مقام الإمامة والولاية.
المطلب التالي هو أن أمير المؤمنين (سلام الله عليه) قال: يمكن تمييز سخط ومودة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من خلال "جذبي ودفعي"؛ فأين أتألم وأين أسعد، كل ذلك آية وعلامة وإشارة لمواطن الجذب والدفع عند النبي، ومواطن الولاية والبراءة لديه. فما أقوم به هو إشارة لما قام به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وعندما يريد الله سبحانه أن يصلي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يشرك الملائكة معه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، ثم يأمرنا نحن بالصلاة عليه. وحينئذٍ، فإن البشر الذي يرتبط بالنبي عبر الولاية ويُجلّ سنته، يكون مورد عناية الخالق. فذات الإله الذي يصلي على النبي في سورة "الأحزاب"، يصلي في السورة ذاتها صلاةً خاصة على المؤمنين الخواص التابعين لولاية علي وأولاد علي. فكما ورد في تلك السورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، ورد فيها أيضاً: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. فإذا وصل الإنسان إلى مقامٍ يصلي الله عليه فيه، عُلم أنه أصبح "مَلَكاً"، وصيرورته مَلَكاً -وفق البيان النوراني لأمير المؤمنين- تعني أن ذات البرامج المعرفية والعبادية المقررة للملائكة قد قُررت للبشر.
والنتيجة أن المَلَك بوصفه من أهل الملكوت، له عبادات وبرامج ومعارف خاصة (أولاً)، وأن ذات المعارف التي قررها الله للملائكة قد قررها لنا من الناحية الاعتقادية والمنزعية (ثانياً). أما مسألة البدن وما شابه، فهي أمر منفصل، وإلا فإنه في الخطوط العامة للمعارف، بيّن أن الدين الذي شرعه الله للملائكة شرعه للإنسان أيضاً، وقولنا "تصير ملكاً إن اجتهدت" جاء من هذا المنطلق.
بناءً عليه، إذا كان الله يصلي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا واسطة ويأمرنا بالصلاة معه، فإنه يصلي أيضاً على المؤمنين الذين بلغوا الذروة وكانوا شيعة حقيقيين لعلي وأولاد علي (عليهم السلام والصلاة): ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
وقول علي بن أبي طالب بأن الدين الذي قُرّر لي هو ذاته الذي قُرّر للملائكة يعني هذا المعنى. وإذا قال الله في سورة الأحزاب إنه يصلي على المؤمنين، يتضح أن المؤمنين الصادقين الذين يدورون في فلك العلوية (منهاجاً، وقولاً، وفعلاً) إذا شملهم الله بمودته وصلى عليهم، عُلم أنهم من أهل الملكوت، والملكوتيون في الذروة، والبشر الملكوتيون يبلغون تلك الذروة.
وفي القرآن الكريم قال: لقد أرينا إبراهيم الخليل الملكوت. والإراءة تعني الإراءة! والنظر يعني النظر! وهناك فرق شاسع بين النظر والرؤية في العربية. قال في القرآن إن خليلي "رأى" الملكوت، أما أنتم فـ"انظروا" لكي تروا. وفي اللغة الفارسية نقول إننا مكلفون بالنظر نحو الملكوت لنرى (بنگریم تا ببینیم). وعنه قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾؛ فالإراءة مرتبطة بإبراهيم، أما في حقنا فقال: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾؛ فالنظر وظيفتنا، وإذا لم ينتهِ النظر إلى الرؤية فهو نظر بلا ثمر، وإذا انتهى بنا المطاف إلى الرؤية فلن يكون بمستوی رؤية خليل الرحمن وأمثاله، بل بمستوع التلاميذ والأتباع. لذا جعل "الملكوت" هو الأصل؛ فالملائكة أهل ملكوت، والأنبياء والأولياء أهل ملكوت، وهم أهل "رؤية" الملكوت، بينما دُعينا نحن لـ"النظر": ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾. وأمير المؤمنين (ع) يقول إن الدين الذي شرعه الله للملائكة شرعه لي، لكي يجعلني مَلَكاً.
أما في الأحداث الراهنة التي تشهدونها في غزة وأمثالها، حيث نرى فئة لا تملك خصلة سوى السبعية والافتراس، فهذا يعود إلى أنهم لم يصغوا لقول الأنبياء. وإذا ورد في القرآن: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾، فلأن هؤلاء نسوا أنفسهم ونسوا المبدأ والمعاد، لذا حُرموا من إدراك البرزخ والقيامة، ومن ثم حُرموا من إنسانية الإنسان. قال القرآن إن هؤلاء نسوا أنفسهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾؛ فلأنهم لا يعرفون الله، ابتلوا بنسيان الذات. وما يجري في غزة وأمثالها من قِبل هذا الكيان الإسرائيلي هو من هذا القبيل. ورغم أن الكثير من شعوب العالم فكروا في التضامن، إلا أن القوة -للأسف- بيد من لا يملكون سوى ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾.
نسأل الله أن يتقبل من جميع العظماء، والعلماء الأفاضل، والمسؤولين السياسيين، وعوائل الشهداء المحترمین، وسائر الكرام الذين لهم حق مسلّم علينا وبذلوا الجهد من أجل هذا النظام الاسلامي بصدق وصفاء! ودعاؤنا الدائم لهم بالعظمة والجلال والشموخ.
نرجو من ذات الله سبحانه أن يحشر الإمام الراحل مع الأولياء الإلهيين! وأن يشمل بعنايته الخاصة مقام القائد المعظم، وكبار مسؤولي بلادنا، وأفراد شعبنا، وشهداءنا الأعزاء، وذويهم، وأن يجعلنا إن شاء الله من أهل الغدير!
نُثمن جهود "مؤسسة الغدير الدولية" وكل من خطا ويخطو في هذا الطريق، ونسأل الله التوفيق للجميع.
«غفر الله لنا ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»
مرکز الإسراء للنشر هو الناشر الاختصاصيّ لتألیفات سماحة آیة الله الشیخ عبدالله الجواديّ الآمليّ (دام ظلّه) فبدأ المرکز هذا عمله في سنة 1372 الشمسیة؛ فمن أعمال هذا المرکز القیام بإنتاج التألیفات مکتوباً بکیفیة مطلوبة وأساسیّة، مع عرض سریع، وفي الوقت المحدّد، وبسعر مناسب، ودعم للإصدارات، وتهیئة إمکان الوصول السریع وبأسعار قلیلة للمخاطبین في داخل البلد وخارجه بالنسبة إلی الإصدارات، وأیضاً المشارکة في المعارض الدولیة الخارجیة والداخلیة.